جريدة النهار :: طباعة :: الإعلام.. عالم مليء بالمفاجآت والإثارة والخطر
العدد 795 - 21/11/2009
تاريخ الطباعة: 11/21/2018

الإعلام.. عالم مليء بالمفاجآت والإثارة والخطر
ناصر المطيري

استراحة «آخر الأسبوع» بمثابة مساحة يلجأ صاحبها للراحة من عناء روتين الاسبوع، لينتقل الى الجبهة الخالية من القلق.
يتناول أصحابها.. كل ما لذ وطاب من الحكايات، وهي محاولة لانعاش الذاكرة والتوقف عند مواقف جميلة اختزلتها الذاكرة وجعلت منها «أجندة جميلة» تستحق الذكر وتستحق أن يطلع عليها الجميع.
استراحة «آخر الاسبوع» هي الحد الفاصل بين جدية الحياة والركون الى عالم أكثر هدوءا واسترخاء وأكثر حميمية مع النفس.
الحكايات فيها تتغير.. لكنها دائما ما تأتي لها «فعالية» جميلة تستحق المتابعة.

 

 

كثير من الأشخاص في حياتنا يقتربون منا ونقترب منهم ولنا معهم تواصل مستمر ولكن تبقى هناك مسافة نفسية ثابتة بيننا وبينهم هذه المسافة غالبا ما تحول دون تحقيق الشعور بالمحبة الصافية المجردة من الهوى والمصلحة، وعلى العكس من ذلك هناك في حياتنا نفر قليل جدا من الأشخاص تفصلنا عنهم مسافات جغرافية طويلة ويتوارون عن انظارنا لفترات بعيدة ولكن تتلاشى المسافة النفسية بيننا وبينهم فيملؤنا شعور مشترك معهم بنقاء المحبة والاشتياق الحقيقي الذي يصل الى حد اللهفة للقائهم وزيارتهم ولو تطلب الأمر أحيانا تجشم عناء السفر للتواصل معهم.

لعل من يقراني الآن ستطوف في مخيلته قائمة طويلة من الأصدقاء والأصحاب والزملاء والجلساء والجيران والمعارف وحبذا لو جربنا قياس المسافات بيننا وبين كل هؤلاء المحيطين بنا وما اذا ماكانت تفصلنا عنهم مسافة مكانية أم هي مسافات نفسية روحية ؟؟ أعتقد ان كثيرا منا سيجد نفسه محاطا بعدد كبير من الناس لهم قرب مكاني محسوس منه ولكن نشعر بان القلوب متباعدة مئات الأميال وقد تكون متنافرة أحيانا.

فعلاقة العمل اليومية وجلسة الديوانية أو علاقة الجوار القريبة التي تفرضها «قرعة الاسكان» كل ذلك لا يمكن ان يلغي المسافات المتباعدة بين الأرواح. لذلك تحول التواصل الروحي الى «مسج» في زمن الجفاف والجفاء النفسي والعاطفي مع الآخرين.

اذن قليلون جدا هم من يسكنون في قلوبنا رغم بعد مسافة المكان بيننا وبينهم. فنبقى «نحبهم عن بعد».



الكويت تحت الأحكام العرفية..



لي تجربة اعلامية متواضعة فرضتها الصدفة وظروف الحال، هذه التجربة لاتزال مستمرة بايقاع متفاوت.. لم تخل هذه التجربة من نقاط تحول كان لها تأثير بالغ في مساري الاعلامي ونقاط التحول تلك تعددت بين أحداث مهمة أو أشخاص مؤثرين سيمرون عبر السطور التالية.

عام 1991 الفترة التي أعقبت تحرير البلاد من الاحتلال العراقي الغاشم مباشرة كانت بداية مرحلة ونقطة تحول بالنسبة لي من الناحيتين العملية والانسانية.. في تلك الفترة أعلنت في الكويت الأحكام العرفية وصدر مرسوم بتعيين المغفور له الشيخ سعد حاكما عرفيا على البلاد، وتم تشكيل المحاكم العرفية لمحاكمة المتعاملين والمتعاونين مع قوات الاحتلال الصدامية، في تلك الأيام كنت مع «زمرة سادت ثم بادت» من الزملاء نعمل في جريدة «الفجر الجديد» التي صدرت مؤقتا آنذاك لسد الفراغ وغياب الصحف الكويتية التقليدية.

ونظرا لمؤهلي القانوني تم تكليفي بالتغطية الصحافية للمحاكمات العرفية التي كانت محط اهتمام وسائل الاعلام العالمية والمنظمات الانسانية الدولية، من هنا كانت بداية شغفي الاعلامي مع متابعة الأحداث المثيرة التي شهدتها عن قرب.

استثمرت متابعتي الصحافية اليومية لسير المحاكمات العرفية فقمت باعداد وتأليف كتاب قانوني وثائقي عن تلك المحاكمات وفترة الثلاثةة شهور التي عاشتها الكويت في ظل حالة الأحكام العرفية فصدر كتابي بعنوان «الكويت تحت الأحكام العرفية» عام 1992.. وتضمن أشهر المحاكمات وأكثرها اثارة مثل محاكمة الصحافيين العاملين في «جريدة النداء» التي أصدرتها سلطات الاحتلال العراقي في الكويت عام 1990 من مبنى جريدة القبس، وكذلك قضية الفنانين المشهورين الذين اتهموا باحياء حفلات مسرحية وغنائية للجيش العراقي داخل الكويت المحتلة آنذاك وأتذكر من هؤلاء المتهمين الفنانة زينب الضاحي (زنوبة عبدالخضر عاشور) والفنان امبيريك (كاظم أحمد علي) والممثل الاردني عادل عفانة وغيرهم.

الشيء بالشيء يذكر فقد اتاحت لي تلك الأحداث التعرف عى قضاة المحكمة العرفية وكان منهم المستشار صلاح الفهد رحمه الله والعقيد الحقوقي آنذاك الدكتور محمد العفاسي وزير الشؤون الحالي والمستشارون محمد بوصليب وعلي المطيرات وجواد العبدلله.

اتذكر التصريح الشهير الذي خصني به العفاسي عندما نشرت على لسانه مانشيت: «المحكمة

العرفية لاتملك الا الاعدام لمنتسبي الجيش الشعبي».

هذا التصريح أدى الى هروب قوافل كثيرة حملت آلاف الأشخاص من الكويت باتجاه الشمال هروبا من حبل المشنقة.. وأبلغني العفاسي بعد ذلك انه حصل بسبب ذلك التصريح على شكر وتقدير كبار مسؤولي الدولة.



سعود الناصر عندما دعاني  للعمل في بيته!



بعد قرار وزير الاعلام السابق سعود الناصر اغلاق جريدتي الفجر الجديد وصوت الكويت في عام 1993 ومع اكتمال صدور الصحف الكويتية وصلني عرض عمل بديل من الأخ والصديق غنيم السويجي للانضمام الى مكتب صحيفة الشرق الأوسط الدولية في الكويت لأكون بذلك مراسلا صحافيا أقوم بتغطية الساحة الكويتية بتنوع أحداثها.. تزامنت هذه المرحلة مع أحداث سياسية وبرلمانية ساخنة مثيرة للجدل وحساسة للغاية ومع ذلك كنت أمارس مهامي الصحافية في نقل الأحداث الكويتية بموضوعية مجردة غير ان ذلك ادخلني بمشاكل مع ادارة الاعلام الخارجي بوزارة الاعلام ولكن رب ضارة نافعة ولان نيتي كانت صافية لم أبخس حقي و«لا يضيع العرف بين الله والناس».

حملت مظلمتي وشكواي لوزير الاعلام آنذاك الشيخ سعود ناصر الصباح وأبلغته بقرار الاعلام الخارجي بايقافي عن العمل مراسلا لصحيفة دولية وبعد ان استمع لي بانصات وقناعة في مكتبه فاجأني بعرض مباشر لم أتوقعه وقال لي حرفيا: ناصر.. انا لا اشك في صدقك ووطنيتك واذا كنت تريد ان تخدم بلدك حقا أدعوك الى بيتي هنا للعمل في وزارة الاعلام «واترك عنك الجريدة وغيرها هل ترفض ان تعمل معي»؟

من هنا بدأت نقطة تحول ونقلة نوعية في حياتي المهنية استفدت منها كثيرا ورسمت لي ملامح مرحلة جديدة ومتغيرات مصيرية كبرى ولانني بطبعي أشكر ولا انكر فانا أدين بالفضل العظيم بعد الله في كل تغيير ايجابي وخير حصلت عليه للشيخ سعود ناصر الصباح - حفظه الله - فقد شهدت منه مواقف أبوية رجولية واخلاصاً ومحبة لكل من يبادله الجهد المخلص في العمل، وبهذا يشهد كل شخص منصف تعامل معه في ذلك الزمن الجميل.



مهمتنا في بغداد والنيران الصديقة



التحول من الصحافة التقليدية المكتوبة الى الصحافة المرئية والمسموعة ليس بالأمر الهين فالأدوات تختلف والأصول المهنية تتفاوت ولكن الصحافة المكتوبة قاعدة أساسية لمهنية أي اعلامي يمارس الصحافة التلفزيونية او الاذاعية، واللذة في الصحافة التلفزيونية هي المباشرة في نقل الخبر أو الحدث على خلاف الصحافة المقروءة التي تنتظر لليوم التالي.. في كثير من الأحيان دفعني الحماس المهني الى حد ما يشبه التهور أحيانا من خلال اقدامي على تغطية حدث ما في منطقة ساخنة مثل أفغانستان والعراق في عامي 2002 و2004.. المغامرة الأولى كانت مهمة في أفغانستان لنقل صورة الوضع الميداني هناك بعد انتهاء الحرب وكم كانت الرحلة التي اقلتنا على طائرة نقل عسكرية مثيرة وخطيرة وأجواء باردة متجمدة فاجأتنا لدى نزولنا في مطار كابول ومشاهد مؤلمة رأيناها ونقلناها لويلات ما بعد الحرب.. وكانت لي في الصحافة التلفزيونية تجربتان مفيدتان في تغطية القمم.. الأولى القمة العربية في بيروت عام 2002 والثانية قمة الأرض في جوهانسبرغ بجنوب افريقيا.

المهمة الأخطر كانت في ابريل عام 2004 والمشاركة في تغطية أحداث حرب تحرير العراق واسقاط رئيس النظام العراقي صدام حسين، تلك الرحلة التي صحبتني فيها الزميلة نجوى عسران مديرة مكتب cnbc حاليا والزميل المصور علي العجمي حيث اتجهنا الى العراق برا قبل سقوط صدام بثلاثة أيام وكانت تتبعنا سيارة نقل تلفزيوني فضائي يقودها أميركيان من محطة cnn.

تمركزنا قبل يوم 9 ابريل يوم سقوط صدام في مدن البصرة والزبير وميناء ام قصر ونقلنا الصورة الميدانية من هناك وبعد اعلان سقوط بغداد تقدمنا باتجاهها لنكون في دائرة الحدث.. وفي الطريق وتحديدا في مدينة الحلة قبل بغداد بحوالي تسعين كيلومترا تعطلت سيارتنا في الطريق قبل فترة المغرب في وقت حرج تسوده حالة خطرة وحظر تجول.. المؤسف اننا عندما طلبنا المساعدة من بعض شباب المدينة لسحب السيارة واجهونا بالشتائم البذيئة عندما علموا اننا كويتيون فشعرنا ساعتها اننا محاطون بخطر حقيقي على حياتنا فقررنا ان نترك السيارة مكانها على جانب الطريق ونركب جميعا في سيارة النقل التلفزيوني ونواصل المسير الى بغداد، ولم نصل مشارف بغداد الا وكان الظلام قد غطاها وتعرضنا لدى دخولنا منطقة مطار بغداد الدولي لاطلاق نيران صديقة من احدى نقاط التفتيش التابعة للجيش الأميركي كادت تقتلنا لولا ان سائق السيارة صاح بهم بلهجة أميركية AMERECAN فتوقف اطلاق النار.



«نجوى» شاركتنا سكن الغرفة الوحيدة بالفندق!



في بغداد أمضينا اثني عشر يوما انضم إلينا بعد ذلك زميلنا حسين جمال الذي كان مرافقا للقوات الأميركية حيث وصل بعدنا بيومين، والطريف والغريب ان فندق فلسطين في بغداد حيث المركز الاعلامي خصص لنا كفريق اعلامي كويتي غرفة واحدة صغيرة بسريرين فقط ولم يراعوا ان معنا زميلتنا الانثى نجوى عسران،كنا محرجين من ذلك جدا وماذا نفعل وليس في بغداد مكان آمن غير هذا الفندق.. تقبلت نجوى الأمر بروح

«رجولية» وشاركتنا سكن الغرفة وكانت بالفعل اخت رجال.

في الصباح نتوزع نجوى وحسين جمال وانا كل في ناحية نصور ونوثق المشهد العراقي في بغداد وكان لي زيارة استطلاعية لمقر الاستخبارات المركزية العراقي حيث شاهدت أقبية السجون وغرف التعذيب والدماء على الجدران.

ودخلنا بعض قصور صدام، واقتربنا كثيرا من آلام العراقين وآمالهم.

يالها من تجربة وضعتني وزملائي على المحك ذقنا فيها لذة المغامرة وكنا شهود عيان على أهم الأحداث في المنطقة ونقاط التحول المصيرية.



جريدة النهار الكويتيّة